سهيلة عبد الباعث الترجمان

162

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

هم الذين أقاموا كتاب اللّه وما أنزل إليهم من ربهم . . . " ومنهم من أقاموا الكتاب من رقدته ، فإن التأويل من العلماء أضجعه بعد ما كان قائما ، فجاء من وفّقه اللّه فأقامه من رقدته ، أي نزّهه عن تأويله والتعمّل فيه بفكره فقام بعبادة ربه وسأله أن يوفقه على مراده . . . فأعطاهم اللّه العلم غير مشوب ، قال تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ « 1 » يعلّمهم الحق ما يؤّل إليه هذا اللفظ المنزل المرقوم ، وما أودع فيه من المعاني من غير فكر فيه ، إذ كان الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل أحد " « 2 » . ورغم ذلك كله ، لم يكن ابن عربي أول من أوّل القرآن تأويلا صوفيا ، فقد سبقه إلى ذلك كبار الصوفية أمثال المحاسبي ( ت 243 ه ) والجنيد ( ت 297 ه ) وأبي طالب المكي ( ت 328 ه ) والغزالي ( ت 505 ه ) ، وكان لكل منهم طريقته في التأويل وفهمه الخاص للنّص المؤوّل ، لذا يعتبر أن دين ابن عربي لهؤلاء كبير ، لكنه لم يحافظ على ما بلغه من مستوى التأويل . . . بل تفرّد عنهم جميعا لما له من سعة اطّلاع وثقافة . فهو أكثرهم إلماما بالتراث الإسلامي الديني والعقلي والروحي لذا فقد استغل علمه هذا على غزارته في تأويله للقرآن والحديث على نحو لا يدانيه فيه صوفي آخر « 3 » . ومما يراه أبو العلا عفيفي في هذا الشأن أن ابن عربي في فهمه للآيات على اختلافها يأخذها على نواح شتى ، فهو في فهمه لآيات العبادات يأخذ بمعانيها الظاهرة والباطنة . . . فإنه في آيات المعتقدات لا يأخذ إلّا معانيها الباطنة . وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في كتابه فصوص الحكم ، فهو لم يشرح مذهبه فيه شرحا فلسفيا أو فلسفيا صوفيا بعيد الصلة عن نصوص القرآن والحديث ، بل اتخذ من هذه النصوص سياجا لأفكاره ، وإطارا ينسج فيه خيوط مذهبه ، معتمدا المنهج الذي تفرّد به هو وأمثاله ، وهو

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 7 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( صادر ) ، ص 594 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، ابن عربي في دراساتي ، الكتاب التذكاري لمحي الدين بن عربي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، دار الكاتب العربي ، 1389 ه / 1969 م ، مصر ، ص 8 .